الرسالة الرابعة والخمسون للحزب الإسلامي العراقي
إلى أبناء العراق الأشم وإلى أمتنا العربية والإسلامية ، نقدم الرسالة الرابعة والخمسين للحزب الإسلامي العراقي والتي تتضمن المحاور الآتية :-
مؤتمر اسطنبول
عُقد يوم الجمعة الماضي المؤتمر الدولي الموسع حول العراق في اسطنبول وهو الثاني من نوعه بعد مؤتمر شرم الشيخ الذي انعقد في أيار الماضي وضم دول جوار العراق ( إيران وتركيا وسوريا والسعودية والأردن والكويت ومصر والبحرين ) والدول الخمسة دائمة العضوية في مجلس الأمن ومجموعة الدول الصناعية الكبرى الثمانية والاتحاد الأوربي والأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية .
جاء البيان الختامي للمؤتمر ليشدد على ضرورة منع انتقال الإرهابيين والأسلحة من العراق ومؤكداً على أهمية تقوية التعاون بين العراق والدول المجاورة للسيطرة على الحدود المشتركة كما طالب البيان بدور اكبر للأمم المتحدة ودعا دول جوار العراق إضافة إلى مصر والبحرين لمواصلة دعم الجهود الرامية إلى سيادة العراق ووحدته الإقليمية واستقلاله السياسي وعدم جواز المساس بحدوده المعترف بها دولياً وهذه نقطة إيجابية خرج بها المؤتمر تدلل على تفهم الحاضرين لخطورة الأزمة وما يمكن أن تسفر عنه من تحديات .
لقد كان الحزب الإسلامي العراقي أول من تحرك لاحتواء هذه الأزمة مدركاًَ لخطورتها وجديتها ونبه لضرورة التحرك السريع لحلها . وكانت زيارة الأستاذ طارق الهاشمي الخطوة الأولى في نزع فتيل التوتر عندما عمل على إقناع الجانب التركي باللجوء إلى الحل السياسي ونبذ الحل العسكري الذي لا يمكن أن يجلب غير الكوارث للمنطقة .
وحتى بعد المؤتمر لم يغلق الجانب التركي ملف الحل العسكري بل أبقى الباب مفتوحاً أمام جميع الاحتمالات لولا التطور الجديد في تصريح رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بأن تركيا تحترم سيادة العراق واستقلاله .
ورغم تأخر الإجراءات الرسمية العراقية في احتواء الازمة من بدايتها إلا أن المقترحات التي طرحتها الحكومة على مؤتمر اسطنبول ربما عوضت إلى حد ما الفشل الذي رافق وفد الحكومة في زيارته السابقة لاسطنبول .
نحن نقول أن هذه الأزمة يجب أن لا تمر دون الاستفادة من دروسها واول ذلك ضرورة تحمل الحكومة لمسؤولياتها كونها معنية بالعراق بصرف النظر عن كون التهديد الخارجي يطال كردستان مباشرة أو غيرها من أراضي العراق. إضافة لمسؤوليتها في الحفاظ على سيادة ووحدة أراضي العراق والتنسيق مع الأطراف السياسية دون استثناء.
كما نؤكد مجددا أن مصلحة العراق الوطنية تقتضي غلق ملف أل PKK في العراق دون تأخير والحكومة بامكانها فعل الكثير بالتنسيق مع إقليم كردستان في هذا المجال .
ومن اشدّ المواقف غرابةً في هذا المؤتمر هو ما طرحه الوفد الإيراني بعرضه السخي بان تكون قواته بديلاً عن القوات الأمريكية عند انسحابها وهذه هي ليست المرة الأولى التي تعلن فيها إيران وعلى المستويات تدخلها في الشؤون السياسية الداخلية للعراق بعد أن تدخلت ومنذ بداية الاحتلال سلبيا ً في الشأن الأمني العراقي وقد كان موقف الحكومة العراقية هذه المرة ايجابياً في رفض هذا التدخل السافر في شأننا.
وهنا ندعو كل الأطراف التي شاركت في المؤتمر إلى الالتزام بتعهداتها والتزاماتها لان ذلك في مصلحة الجميع.
المصالحة الوطنية
لا زالت قضية المصالحة الوطنية محوراً مهماً ومؤشراً حقيقياً على صحة مسار العملية السياسية وعلى قناعة المشاركين فيها وإيمانهم الراسخ بعودة الحياة الطبيعية إلى الجسد العراقي .
وعلى الرغم من المؤتمرات والندوات التي عُقدت لدعم قضية المصالحة مثل مؤتمر شرم الشيخ ومؤتمر مكة وغيرها إلا إن ما يجري على الواقع لا يرقى إلى مستوى الاستحقاقات التي خرجت بها.
وانطلاقاً من سعينا الجاد إلى ضمان استمرار الجميع في بذل أقصى الجهود وتحقيق ما ينتظره العراقيون جميعاً سواءً كانوا في الداخل أو الخارج نود أن نشير إلى بعض الملاحظات حول هذه القضية المهمة :
1. إطلاق سراح المعتقلين الأبرياء :
لا زلنا نؤكد بان وجود معتقلين أبرياء على خلفيات سياسية أو طائفية غير جرمية في أي بلد في العالم يدل على وجود صراع بين السلطة والمعارضين لها وإن السلطة أو الحكومة تتخذ من الوسائل الاستبدادية غير المشروعة سلاحاً لإقصاء وتهميش هؤلاء المعارضين .
ولقد سعينا بكل جهد لدينا أن نوضح هذا الأمر للجميع بما فيها الحكومة ومؤسساتها المسؤولة عن هذا الملف وقدمنا كل المقترحات الفنية والموضوعية التي تساهم بالتعجيل والإسراع في إنهاء معاناة مئات الألوف من الأبرياء والمعذبين .
نعم لقد جرى إطلاق بعضاً منهم على خلفية التفاهمات السياسية بيننا حزباً وجبهة وبين الحكومة وقوات الاحتلال إلا إن متطلبات تحقيق المصالحة الوطنية وكما جرى بيناها مع شركائنا في العملية السياسية لم ترقَ إلى المستوى الذي يؤشر إلى إن المضي في مسار تحقيق المصالحة الوطنية بمستواه الذي يتمناه وينتظره شعبنا .
إن كل السياسيين في العراق اليوم يدعون أن عراقاً جديداً سيظهر وسيحكم بالقانون العادل ويتنافسون بموجب الوسائل السلمية والديمقراطية للوصول إلى السلطة ، وإذا تطلب الأمر قد يتحول السجين المعارض إلى حاكم وإن نيلسون مانديلا واحداً ظهر في جنوب أفريقيا وسيكون عندنا أكثر من ذلك .
فهل سنسعى حقاً إلى طرح خلافاتنا جانباً ونتوحد على بناء العراق الموحد المزدهر ؟ إذا كان بالأمس القريب قدم حزب العمال الكردستاني عربون صلح مع حكومة أنقرة بإطلاق سراح ثمانية جنود أتراك كانوا قد أسروهم في مواجهة عسكرية فأين عربون المصالحة الوطنية التي يجب أن تثبت بها الحكومة حسن نياتها ورغبتها الصادقة في أهم ملف إنساني من ملفات القضية العراقية الشائكة .
2. عودة المهجرين إلى ديارهم ومناطق سكناهم :
تعدّ عودة المهجرين الذين أجبروا على ترك منازلهم ومحلاتهم في مناطق واسعة من بغداد والمحافظات لأسباب طائفية مؤشراً حقيقياً لبذل الجهود من اجل استتباب الأمن وهيمنة القانون والروح الوطنية على الجهاز التنفيذي المسؤول الأول عن تحقيق هذا المطلب وإلا فالكلام عن أي تقدم في عملية المصالحة الوطنية لا يعدو كونه سلعة إعلامية يراد منها الحصول على مكاسب مجانية .
3. عودة المعارضين للعملية السياسية الذين اجبروا على مغادرة العراق :
إن السياسيين الذين يحكمون اليوم كانوا معارضين مغتربين ومهجرين بالأمس وقد أدركوا جيداً قبل غيرهم ماذا يعني أن يترك الإنسان بلده وأهله من اجل مسألة يعدّها وطنية ومقدسة .
واليوم وبحسب آخر التقارير للمنظمات الإنسانية فقد تجاوز عدد اللاجئين العراقيين الملايين الذين اجبروا على مغادرة وطنهم لأسباب سياسية وطائفية ، فما الذي فُعل لإعادتهم إلى بلدهم وفيهم الكثير من الكفاءات والخبرات العلمية والفنية والأدبية والتي لا يمكن لأي بلد في العالم أن يزهد بهم فضلاً عن العراق الذي يطمح إلى إعادة البناء والإعمار في كافة الميادين .
فهل نستطيع أن نقول بأننا قد أنجزنا شطراً كبيراً من المصالحة الوطنية بينما تشهد أبواب مفوضيات اللاجئين في دول جوار العراق طوابير من العراقيين يتوقون إلى الخلاص من اليأس الذي ينتابهم كلما راودتهم فكرة الرجوع والعودة الى بلدهم .
4. الميليشيات لوظائف مدنية وليس للقوات المسلحة :
لقد كانت مثلاً عبارة رائعة من سياسي كان يتحدث عن الإرهاب عندما انتقد المعايير المزدوجة التي يتعكز بها البعض للعثور على مخرج أخلاقي يجنبه الإحراج السياسي عندما قال ليس هناك إرهاب جيد وإرهاب سيء,إرهاب مقبول وإرهاب مرفوض انما الكل في حقيقة الأمر سواء .
واليوم يحاول البعض أن يسوق مقولة أن هناك ميليشيات منضبطة وميليشيات منفلتة وعلى أساس هذا التصنيف يبدو ان الأمر مختلف. وهو ليس كذلك بالتأكيد, والكل في حقيقة الأمر سواء . على الأقل ان ما يجمع الميليشيات هو ولائها للحزب,والكيان السياسي,والطائفة...بدل الوطن
والحديث عن سجل الميلشيات وما صنعته بأمن المواطن من إرهاب وقتل وخطف وتعذيب وتهجير لا يختلف كثيرا إن لم يكن أسوء من سجل الجماعات الإرهابية المعروفة للقاصي والداني.
ان الشعب العراقي سوف لن ينسى أبدا ما حصل قبل تفجيرات المراقد في سامراء وما بعدها ولازال يحدث في بعض مناطق بغداد وديالى على وجه الخصوص .
ان الإرهاب في كل الأحوال مرفوض أيا كان مصدره وغاياته والجهات التي تنشط فيه والميليشيات طرف رئيسي في ذلك .
إذاً كيف يمكن السماح بزج المزيد من الميليشيات في صفوف القوات المسلحة في ظلام الليل بعد أن ذاق الضباط المحترفين الأمرين من الميليشيات التي تغلغلت إلى وحدات الجيش والأمن والشرطة مستفيدةً من المخطط المشبوه للسفير بريمر في إطار قانون رقم 91 الذي أصدره في حينه.
وفي الوقت الذي ضمنت فيه جبهة التوافق العراقية طلبا بإبعاد الميليشيات من القوات المسلحة ونقل أفرادها إلى وظائف مدنية إشفاقا منها على مهنية القوات المسلحة وتوجهاتها الوطنية التي اهتزت بقوة بوجود الميليشيات بين صفوفها . ورغم رجاحة التوصية وأهميتها للصالح العام , نفاجأ اليوم بقرار اتخذه رئيس الوزراء في وقت لاحق من الشهر الماضي يدعو لمزيد من القلق حيث تم الإيعاز إلى وزارات الدفاع والداخلية والمخابرات ووزارة الدولة لشؤون الأمن الوطني بقبول ما يزيد على ثمانية عشر ألف من أفراد ميليشيات وأحزاب وكيانات سياسية معروفة .
إن القرار يعد خرقا جديدا مؤسفا من جانب الحكومة لما كان قد اتفق عليه قبل تشكيلها في العام الماضي في تعليق قانون بريمر 91 ويعتبر هذا تطورا خطيرا في ملف الخلاف مع الكيانات السياسية المعنية والحكومة مما سيؤثر سلباً في جميع الملفات العالقة، والتي لا بد ان يساهم الجميع في حلها .
المكتب السياسي للحزب الإسلامي العراقي
في السادس والعشرين من شوال 1428 هـ
الموافق السادس من تشرين الثاني 2007 م