الحركة الإسلامية والمراجعات الضرورية ( الأردن نموذجاً ) / بقلم : إياد السامرائي  


هزت أحداث الربيع العربي الركود الذي كان سمة الحياة السياسية والاجتماعية في الأقطار التي هبت عليها رياح هذا الربيع الذي لم يكن طويلاً .
فالآمال الكبيرة التي انتعشت في مرحلة ما سرعان ما تراجعت إلى حدٍ كبير، وتحول هذا الربيع نقمة  على الشعوب والحركات التي تفاعلت معه.
هذه الانتكاسة السريعة دفعت الحركات الإسلامية إلى مراجعات مهمة على مستوى الفكر والممارسة ، لأنها كانت المتضرر الأكبر من انهيار الربيع العربي ، وبقدر تعلق الأمر بمراجعات الحركة الإسلامية نتطرق لبعض القضايا التي بدأت تأخذ مساحة أوسع في تلك المراجعات ونجدها على قدر كبير من الأهمية .
آمنت جميع الحركات الإسلامية بشمولية الإسلام لمناحي الحياة، وهذا دفع بعضها إلى قناعة مفادها  أن هذه الشمولية توجب شمولية الممارسة للنواحي التي تعرض لها الإسلام.
لم يكن ذلك الفهم يمثل مشكلة في بدايات تأسيسها لأن شمولية الممارسة لم تكن متاحة لها ، فكان الطرح نظرياً بحتاً، ولكن مع النمو الذي تحقق لها أصبح ما هو غير ممكن ممكناً ، مما ترتب على هذا الفهم مشاكل عدة واجهتها الحركة سواء في علاقاتها مع الحكومات أو القوى السياسية والمجتمعية الأخرى
لقد تطرق باحثون إسلاميون لضرورة تعدد الهيئات الإسلامية وتخصصها، وأن الوحدة التنظيمية للحركات وشمولية ممارستها هو في حكم المستحيل ، فهذه الوحدة لم تتحقق لا في الماضي ولا في الحاضر.
وكان التركيز الأغلب على ارتباط الدعوى بالسياسي ، وضرورة الفصل بينهما ، فالحركات الإسلامية نشأت ابتداءً دعوية ثم وعندما صلب عودها تحولت إلى العمل السياسي مع استمرارية ممارستها للدعوة والعمل المجتمعي ، وحيث أن العمل السياسي يعني التنافس والصراع مع الآخرين ، فقد أنتقل هذا الصراع إلى الدعوة التي تأثرت سلباً بهذا الصراع.
كانت مهمة الدعوة وما تزال أصلاح المجتمع، ومن أجل ذلك يجب أن تعيش أجواء إيجابية تلقى قبولا منه ، ويمكنها بالتالي من القيام بمهمتها كما تهدف .
لقد تعرضت حركة الأخوان المسلمين التي توصف بأنها كبرى الحركات الإسلامية إلى هذه المعضلة، ولكن الاستجابة لحلها أتت بطيئة ومتدرجة ، فهي قد رسخت في المجتمع فكرة شمول الإسلام لنواحي الحياة جميعاً ، وشمول الاهتمام بهذه النواحي، وقد مارست هذا الشمول بشكل مباشر أو عبر منظمات أو هيئات منبثقة عنها استجابة للجوانب القانونية في كل بلد ، ولكن عدم القدرة على فك العلاقة بين السياسي والدعوي ولد إشكالات عدة على صعيد العلاقات مع الآخرين.
كانت التجربة المغربية رائدة في الانتباه لهذه المعضلة في وقت مبكر، وتعاملت معها بواقعية جنبها الكثير من الإشكاليات ، بينما عاشت التجربة الجزائرية مرارة الاختلاف بين الدعاة والسياسيين، وتراجعت الدعوة باعتراف القائمين عليها.
وفي مصر وعندما تعذر على الأخوان ممارسة السياسة مباشرة انتعشت الدعوة، وعندما تصدرت بكل واجهتها في الصراع السياسي أتت النتائج مؤلمة جداً.
لقد كان أخوان الأردن واحداً من أكثر الجماعات تأكيداً على الوحدة التنظيمية ، وشمولية العمل الإسلامي ، بل أن الدعوة ارتبطت بالسياسة ، حتى في الممارسات اليومية، ونستطيع أن نلمس أن الدعوة التي انتعشت أيام ابتعادها عن العمل السياسي وبالتالي حصدت ثلث مقاعد البرلمان الأردني عندما  شاركت في الانتخابات البرلمانية، تراجعت عن مواقعها كثيرا بعد ذلك، كما تعقدت علاقاتها مع القوى الأخرى وانعكس ذلك داخلياً بما نلمسه من خلاف وحديث عن انشقاقات داخلية ، وبحكم القرب الجغرافي، بدأنا ومنذ بضعة سنوات نسمع عن نقاشات جادة في ضرورة الفصل بين العمل الدعوي والعمل السياسي داخل قيادات الحركة.
الحركة اليوم في أزمة نتج عنها إقصاء عناصر مهمة عن التنظيم ، مما يفهمه الكثيرون على أنه صورة حادة للانقسام ، ولكن بالطرف الآخر من الصورة نجد إن توجه جناح من "الجماعة" لتكوين " جمعية " بالاسم نفسه ، خطوة لتعزيز مكانه الدعوة ورسالتها في المجتمع ، ويتراءى لي أن هذا الجناح الذي أختلف مع قيادة " الجماعة " يحاول تجنب تعريضها إلى مزيد من الإشكالات التنظيمية، فأثر أن يطرق مجالاً  مهملاً  و رحباً ، يمكن يؤدي دوره الفعّال في المجتمع الأردني.
الخطوة التي قدم عليها الأستاذ عبد المجيد ذنيبات المراقب العام السابق وثلة من أخوانه بعد إقصائهم عن عضوية الجماعة ، مثلت خطوة في الاتجاه الصحيح ، فهم لم ينافسوا الآخرين ولم يتآمروا عليهم ، ولم يشكلوا مجاميع ضغط ، ولكنهم آثروا ببساطة أن يعودوا لمنهج سبق " للجماعة " أن سارت عليه منذ أكثر من خمسين عام ، وحققت وجودها ومكانتها من خلاله ، واختيارهم الاسم نفسه هو حقهم فيه.
بعكس ما قد يظن البعض أو ما يحاول تصويره ، فإن خطوة تكوين "جمعية الأخوان المسلمين " هو تجنب لمزيد خلاف داخل صفوف "الجماعة ".
إن هذه الإضافة الجديدة للعمل الإسلامي في الأردن يجب أن تحضى بمباركة " الجماعة " لا بمعاداتها، وتوطين الأنفس على التعامل مع المخالف مادام المخالف أتخذ لنفسه خطاً لا يتصادم مع من خالفه ، وهو ترسيخ لمنهج مراجعة الأداء وتقويمه .
ونتمنى أن نرى هذا النهج المعتدل في التعامل في أخوان الأردن "الجماعة" "وجمعية" سواء .


  March 18, 2015, 11:04 p.m.

شارك في هذه الصفحة





ملاحظة:

-   الإيميل لا يظهر امام الزوار, فقط للإدارة
-   المشاركات خاضعة للمراجعة و لن تظهر قبل موافقة الادارة.
-   يجب ادخال جميع الحقول.




ضع تعليق على الموضوع


اخر التعليقات

 
  • حاليا

    لا يوجد تعليقات